أحمد بن محمد المقري التلمساني

338

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

على عدوّه المحشور إليه المحشود ، صبرا على المقام المحمود ، وبيعا من اللّه تعالى تكون الملائكة فيه الشهود ، حتى يعين يد اللّه في ذلك البناء [ المهدوم بقوة اللّه و ] « 1 » المهدود ، والسواد الأعظم الممدود ، كان على أمريه بالخيار المردود « 2 » قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [ التوبة : 52 ] . انتهى . وقال صاحب « مناهج الفكر » بعد وصفه لجزيرة الأندلس وأقطارها ، ما صورته : ولم تزل هذه الجزيرة منتظمه لمالكها في سلك الانقياد والوفاق ، إلى أن طما بمترفيها سيل العناد والنفاق ، فامتاز كل رئيس منهم بصقع كان مسقط رأسه ، وجعله معقلا يعتصم فيه من المخاوف بأفراسه ، فصار كل منهم يشنّ الغارة على جاره ، ويحاربه في عقر داره ، إن أن ضعفوا عن لقاء عدوّ في الدين يعادي ، ويراوح معاقلهم بالعيث ويغادي « 3 » ، حتى لم يبق في أيديهم منها إلا ما هو في ضمان هدنة مقدّرة ، وإتاوة في كل عام على الكبير والصغير مقررة ، كان ذلك في الكتاب مسطورا وقدرا في سابق علم اللّه مقدورا ، انتهى . [ أخذ الكفار قواعد بلاد الأندلس وأخذهم طليطلة وأخذهم بلنسية ] وهذا قاله قبل أن يستولي العدو على جميعها ، واللّه وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين . ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أخذ النصارى قواعد الأندلس فنقول : قد قدمنا أوائل هذا الباب أن طليطلة أعادها اللّه تعالى من أول ما أخذ الكفار من المدن العظام بالأندلس . قال ابن بسام « 4 » : لما توالت على أهل طليطلة الفتن المظلمة ، والحوادث المصطلمة « 5 » وترادف عليهم البلاء والجلاء ، واستباح الفرنج لعنهم اللّه تعالى أموالهم وأرواحهم ، كان من أعجب ما جرى من النوادر الدالة على الخذلان أن الحنطة كانت تقيم عندهم مخزونة خمسين سنة لا تتغير ، ولا يؤثر فيها طول المدة بما يمنع من أكلها ، فلما كانت السنة التي استولى عليها العدوّ فيها لم ترفع الغلة من الأندر « 6 » حتى أسرع فيها الفساد ، فعلم الناس أن ذلك بمشيئة اللّه تعالى لأمر أراده ، من شمول البلوى ، وعموم الضراء ، فاستولى العدوّ على طليطلة ، وأنزل من

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين ساقط من ب . ( 2 ) في أ « المودود » . ( 3 ) العيث : الإفساد : عاث يعيث عيثا . ويغادي : يأتي باكرا . ( 4 ) انظر الذخيرة 2 / 1 : 127 . ( 5 ) اصطلمه : استأصله . ( 6 ) الأندر : بوزن الأحمر - البيدر .